مخاوف ألمانية من نقل صلاحيات الإشراف المالي إلى هيئة أوروبية موحدة
في ظل المساعي الحثيثة لتطوير البيئة التنظيمية للعملات الرقمية في القارة الأوروبية، أثار أحد كبار المسؤولين في هيئة الرقابة المالية الألمانية BaFin تساؤلات جوهرية حول توجه الاتحاد الأوروبي نحو إيجاد جهة رقابية مركزية تشرف على القطاع. وأكد المسؤول أن إعادة هيكلة الآليات الرقابية وتوحيد الإشراف تحت مظلة واحدة لتطبيق قانون MiCA قد يترتب عليهما تقييد مرونة الشركات الرقمية وفرض أعباء إدارية وتنفيذية جديدة، دون الاستفادة الكافية من الفهم العميق والدقيق للأسواق المحلية الذي تتمتع به السلطات الوطنية.
تأثير المركزية الرقابية على مرونة العمل بالشركات
خلال جلسة حوارية ضمن فعاليات مؤتمر EBC للبلُكشين، أوضح السيد شتايفان موغلين، المسؤول في هيئة BaFin الألمانية، أن أي جهة رقابية مركزية ستظل بحاجة ماسة للرقابة الميدانية والخبرات المتراكمة لدى الهيئات الوطنية. وأشار إلى تجربة تنظيم مشتقات OTC عبر لائحة EMIR الأوروبية، حيث أدى تحويل الإشراف إلى النموذج المركزي إلى توحيد التفسيرات بشكل قد لا يراعي الخصوصية التشغيلية للأسواق المختلفة.
وأضاف المسؤول أن نقل صلاحيات الترخيص والإشراف بعد أن تكون الشركات قد أكملت بالفعل إجراءات الترخيص على المستويات الوطنية قد يتسبب في ازدواجية الجهود وزيادة التكاليف التشغيلية. وتأتي هذه التصريحات في وقت تم فيه تمديد فترة المشاورات العامة حول إطار العمل التنظيمي حتى 30 سبتمبر، حيث أدار الجلسة السيد تومازو أستازي من منظمة Blockchain for Europe لإعادة تقييم المحاور التي تتطلب تعديلات تشريعية.
جواز السفر التنظيمي وتجربة الحصول على التراخيص
يتيح الإطار الحالي المعمول به في قانون MiCA لشركات تقديم خدمات الأصول المشفرة الحصول على ترخيص رسمي من السلطة التنظيمية المحلية في إحدى دول الاتحاد، واستخدام نظام جواز السفر التنظيمي للعمل بمرونة عبر كافة دول المنطقة الاقتصادية الأوروبية. إلا أن المقترحات الداعية لمركزية الرقابة تثير مخاوف التنازل عن الاستقلالية الوطنية لصالح هيئة موحدة.
وقد تجلت مزايا النظام الحالي في يوليو الماضي، عندما أعلنت شركة Ripple عن حصولها على موافقة تنظيمية من هيئة CSSF في لوكسمبورغ. وتمكنت الشركة عبر الجمع بين رخصة مزود خدمات الأصول المشفرة ورخصة مؤسسة نقد إلكتروني من تقديم خدمات المدفوعات المنظمة والعملات المستقرة عبر 30 دولة في المنطقة الاقتصادية الأوروبية دون الحاجة لاستصدار تراخيص منفصلة في كل دولة.
الفراغ التشريعي في القانون الخاص بملكية الأصول المشفرة
سلط المسؤول الألماني الضوء على قضية قانونية حرجة لا تزال تنتظر الحل، تتلخص في أن تنظيم الخدمات المالية المشفرة عبر التشريعات الحالية يركز على سلوك الشركات والمنصات، بينما يغفل الإطار القانوني الخاص بالملكية الحقيقية. وتكمن المشكلة في عدم وجود قوانين مدنية موحدة في غالبية الدول الأعضاء تحدد بوضوح حقوق الملكية ونقل الأصول وحقوق الدائنين عند إفلاس المؤسسات الوسيطة.
وفي هذا السياق، تظهر تجارب دولية أخرى تحاول معالجة هذه الفجوة؛ حيث أيد مجلس اللوردات البريطاني تعديلًا لاستراتيجية الأصول الرقمية بأغلبية 194 صوتًا مقابل 138 صوتًا. ويلزم هذا التعديل وزارة الخزانة بنشر استراتيجية شاملة خلال 12 شهرًا تتناول العملات الرقمية والعملات المستقرة والسندات المرمزة ونظم التسوية الرقمية، فور استكمال الإجراءات التشريعية في مجلس العموم.
توكنات النقد الإلكتروني وتسوية المعاملات المالية المرمزة
تناولت النقاشات أيضًا الدور المحوري الذي تلعبه توكنات النقد الإلكتروني، وهي فئة ضمن قانون MiCA تُصمم للتقيد بقيمة عملة رسمية واحدة. ويرى الخبراء أن هذه التوكنات تشكل الجسر الناقل لتسوية معاملات الأوراق المالية المرمزة؛ إذ تتطلب هذه المعاملات تسوية فورية لجانب الأصول وجانب النقد في الوقت نفسه لتفادي المخاطر التشغيلية وتأخير التسويات النقدية التقليدية عبر البنوك.
ويناقش المنظمون حاليًا إمكانية التوسع في تقديم خدمات الإقراض والائتمان المعتمدة على توكنات النقد الإلكتروني لرفع كفاءة عمليات الشركات. وعلى صعيد متصل، تفرض السوق الأمريكية تحديات مشابهة نتيجة الانقسام التنظيمي بين هيئات الأوراق المالية والمؤسسات المنظمة للعملات المستقرة، مما يعزز أهمية وجود رؤية واضحة توازن بين استقرار النظام المالي وتقديم مرونة كافية لابتكارات القطاع.